الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

249

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

لغيره من الأصنام مثل ما له من القدرة والغيرة . فلا تزال آلهتهم في مغالبة ومنافرة . كما لا يزال أتباعهم كذلك ، والّذين حالهم كما وصفنا لا يستقرّ لهم قرار في الثّقة بالنّصر في حروبهم ، إذ هم لا يدرون هل الربح مع آلهتهم أم مع أضدادها ، وعليه فقوله : ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً صلة أجريت على المشرك به ليس القصد بها تعريف الشركاء ، ولكن قصد بها الإيماء إلى أنّه من أسباب إلقاء الرعب في قلوبهم ، إذ هم على غير يقين فيما أشركوا واعتقدوا ، فقلوبهم وجلة متزلزلة ، إذ قد علم كلّ أحد أن الشركاء يستحيل أن ينزل بهم سلطان . فإن قلت : ما ذكرته يقتضي أنّ الشرك سبب في إلقاء الرعب في قلوب أهله ، فيتعيّن أن يكون الرعب نازلا في قلوبهم من قبل هذه الوقعة ، واللّه يقول سَنُلْقِي » أي في المستقبل ، قلت : هو كذلك إلّا أنّ هذه الصّفات تستكنّ في النفوس حتّى يدعو داعي ظهورها ، فالرعب والشجاعة صفتان لا تظهران إلا عند القتال ، وتقويان وتضعفان ، فالشجاع تزيد شجاعته بتكرّر الانتصار ، وقد ينزوي قليلا إذا انهزم ثمّ تعود له صفته سرعى . كما وصفه عمرو بن الإطنابة في قوله : وقولي كلّما جشأت وجاشت * مكانك تحمدي أو تستريحي وقول الحصين بن الحمام : تأخّرت أستبقي الحياة فلم أجد * لنفسي حياة مثل أن أتقدّما وكذلك الرعب والجبن قد يضعف عند حصول بارقة انتصار ، فالمشركون لما انهزموا بادئ الأمر يوم أحد ، فلّت عزيمتهم ، ثمّ لمّا ابتلى اللّه المؤمنين بالهزيمة راجعهم شيء من الشجاعة والازدهاء ، ولكنّهم بعد انصرافهم عاودتهم صفاتهم ، ( وتأبى الطباع على الناقل ) . فقوله : سَنُلْقِي أي إلقاء إعادة الصفة إلى النّفوس ، ولك أن تجعل السين فيه لمجرّد التّأكيد أي ألقينا ونلقي ، ويندفع الإشكال . وكثير من المفسّرين ذكروا أنّ هذا الرعب كانت له مظاهر : منها أنّ المشركين لمّا انتصروا على المسلمين كان في مكنتهم أن يوغلوا في استيصالهم إلّا أنّ الرعب صدّهم عن ذلك ، لأنّهم خافوا أن تعود عليهم الهزيمة ، وتدور عليهم الدائرة ، ومنها أنّهم لمّا انصرفوا قاصدين الرجوع إلى مكّة عنّ لهم في الطريق ندم ، وقالوا : لو رجعنا فاقتفينا آثار محمد وأصحابه ، فإنّا قتلناهم ولم يبق إلّا الفلّ والطّريد ، فلنرجع إليهم حتّى نستأصلهم ، وبلغ ذلك النّبيء صلى اللّه عليه وسلم فندب المسلمين إلى لقائهم ، فانتدبوا ، وكانوا في غاية الضعف ومثقّلين بالجراحة ، حتّى قيل : إنّ الواحد منهم كان يحمل الآخر ثمّ ينزل المحمول فيحمل الّذي